الشيخ الطبرسي

186

تفسير مجمع البيان

معناه : إن فعلتم ذلك يصلح لكم أعمالكم ، بأن يلطف لكم فيها حتى تستقيموا على الطريقة المستقيمة السليمة من الفساد ، ويوفقكم لما فيه الصلاح والرشاد . وقيل : معناه يزكي أعمالكم ، ويتقبل حسناتكم ، عن ابن عباس ، ومقاتل . ( ويغفر لكم ذنوبكم ) باستقامتكم في الأقوال والأفعال ( ومن يطع الله ورسوله ) في الأوامر والنواهي ( فقد فاز فوزا عظيما ) أي : فقد أفلح افلاحا عظيما . وقيل : فقد ظفر برضوان الله وكرامته . ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال ) اختلف في معنى الأمانة فقيل : هي ما أمر الله به من طاعته ، ونهى عنه من معصيته ، عن أبي العالية . وقيل : هي الأحكام والفرائض التي أوجبها الله تعالى على العباد ، عن ابن عباس ، ومجاهد ، وهذان القولان متقاربان . وقيل : هي أمانات الناس ، والوفاء بالعهود . فأولها ائتمان آدم ابنه قابيل على أهله وولده ، حين أراد التوجه إلى مكة ، عن أمر ربه ، فخان قابيل إذ قتل هابيل ، عن السدي والضحاك . واختلف في معنى عرض الأمانة على هذه الأشياء . وقيل فيه أقوال أحدها : إن المراد العرض على أهلها ، فحذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه ، وعرضها عليهم هو تعريفه إياهم أن في تضييع الأمانة الإثم العظيم ، وكذلك في ترك أوامر الله تعالى وأحكامه . فبين سبحانه جرأة الانسان على المعاصي ، وإشفاق الملائكة من ذلك ، فيكون المعنى عرضنا الأمانة على أهل السماوات والأرض والجبال ، من الملائكة والجن والإنس ، ( فأبين أن يحملنها ) أي : فأبى أهلهن أن يحملوا تركها وعقابها ، والمأثم فيها . ( وأشفقن منها ) أي : وأشفق أهلهن من حملها . ( وحملها الانسان إنه كان ظلوما ) لنفسه بارتكاب المعاصي . ( جهولا ) بموضع الأمانة في استحقاق العقاب على الخيانة فيها ، عن أبي علي الجبائي ، وقال : إذا لم يصح حمله على نفس السماوات والأرض والجبال ، فلا بد أن يكون المراد به أهلها ، لأنه يجب أن يكون المراد به المكلفين دون غيرهم ، لأن ذلك لا يصح إلا فيهم . ولا بد من أن يكون المراد بحمل الأمانة تضييعها ، لأن نفس الأمانة قد حملتها الملائكة ، وقامت بها . قال الزجاج : كل من خان الأمانة فقد حملها ، ومن لم يحمل الأمانة فقد أداها ، وكذلك كل من أثم فقد احتمل الإثم . قال الله سبحانه : ( وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ) . فقد أعلم الله سبحانه أن من